ابو القاسم عبد الكريم القشيري
236
كتاب المعراج
السماء الثالثة ثم رأيت كأنّي عرجت إلى السّماء الثّالثة . فإذا جميع ملائكة اللّه تعالى بصفاتهم ونعوتهم قد جاءوني ، ويسلّمون عليّ . فإذا ملك منهم له أربعة أوجه : وجه يلي السّماء ، وهو يبكي لا تسكن دموعه أصلا . ووجه يلي الأرض ينادي : يا عباد اللّه اعلموا يوم الفراغ « 1 » ، يوم الأخذ والحساب . ووجه يلي يمينه إلى الملائكة ، يسبّح بلسانه . ووجه يلي يساره ، يبعث جنوده في أقطار السّماوات ، يسبّحون اللّه تعالى فيها . فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السّلام . ثم قال : من أنت ، إذ فضّلت علينا ؟ فقلت : عبد قد منّ اللّه تعالى عليه من فضله . قال : تريد أن تنظر إلى عجائب اللّه ؟ قلت : بلى . فنشر جناحا من أجنحته . فإذا على كل ريشة من ريشه قنديل أظلم ضياء الشّمس من ضوئها . ثم قال : تعال يا أبا يزيد ، واستظلّ في ظلّ جناحي ، حتى تسبّح اللّه تعالى وتهلّله إلى الموت . فقلت له : اللّه القادر على أن يغنيني عنك . ثم هاج من سرّي نور من ضياء معرفتي أظلم ضوؤها : أي ضوء القناديل من ضوئي . فصار الملك كالبعوضة في جنب كمالي . ثم لم يزل يعرض عليّ من الملك ما كلّت الألسن عن نعته . ففي ذلك علمت أنه بها يجرّبني ، فلم ألتفت إلى ذلك إجلالا لحرمته . وكنت أقول في كل ذلك : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض عليّ . فلمّا علم اللّه تعالى منّي صدق الإرادة في القصد إليه ، فإذا أنا بملك مدّ يده فرفعني .
--> ( 1 ) - لعلها « الفزع » .